الشوكاني
228
فتح القدير
والمذكور مفسر له . ومعنى سؤال هذه الجوارح أنه يسأل صاحبها عما استعملها فيه لأنها آلات ، والمستعمل لها هو الروح الإنساني ، فإن استعملها في الخير استحق الثواب ، وإن استعملها في الشر استحق العقاب . وقيل إن الله سبحانه ينطق الأعضاء هذه عند سؤالها فتخبر عما فعله صاحبها ( ولا تمش في الأرض مرحا ) المرح : قيل هو شدة الفرح ، وقيل التكبر في المشي ، وقيل تجاوز الإنسان قدره . وقيل الخيلاء في المشي ، وقيل البطر والأشر وقيل النشاط . والظاهر أن المراد به هنا الخيلاء والفخر ، قال الزجاج في تفسير الآية : لا تمش في الأرض مختالا فخورا ، وذكر الأرض مع أن المشي لا يكون إلا عليها أو على ما هو معتمد عليها تأكيدا وتقريرا ، ولقد أحسن من قال : ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا * فكم تحتها قوم هم منك أرفع وإن كنت في عز وحرز ومنعة * فكم مات من قوم هم منك أمنع والمرح مصدر وقع حالا : أي ذا مرح ، وفى وضع المصدر موضع الصفة نوع تأكيد . وقرأ الجمهور " مرحا " بفتح الراء على المصدر . وحكى يعقوب عن جماعة كسرها على أنه اسم فاعل ، ثم علل سبحانه هذا النهى فقال ( إنك لن تخرق الأرض ) يقال خرق الثوب : أي شقه ، وخرق الأرض قطعها ، والخرق الواسع من الأرض ، والمعنى : أنك لن تخرق الأرض بمشيك عليها تكبرا ، وفيه تهكم بالمختال المتكبر ( ولن تبلغ الجبال طولا ) أي ولن تبلغ قدرتك إلى أن تطاول الجبال حتى يكون عظم جئتك حاملا لك على الكبر والاختيال . فلا قوة لك حتى تخرق الأرض بالمشي عليها ، ولا عظم في بدنك حتى تطاول الجبال . فما الحامل لك على ما أنت فيه ؟ وطولا مصدر في موضع الحال أو تمييز أو مفعول له . وقيل المراد بخرق الأرض نقبها لا قطعها بالمسافة . وقال الأزهري : خرقها قطعها . قال النحاس : وهذا أبين كأنه مأخوذ من الخرق ، وهو الفتحة الواسعة ، ويقال فلان أخرق من فلان : أي أكثر سفرا ، والإشارة بقوله ( كل ذلك ) إلى جميع ما تقدم ذكره من الأوامر والنواهي ، أو إلى ما نهى عنه فقط من قوله ( ولا تقف - ولا تمش ) قرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ومسروق " سيئه " على إضافة سئ إلى الضمير ويؤيد هذه القراءة قوله ( مكروها ) فإن السئ هو المكروه ، ويؤيدها أيضا قراءة أبي : كان سيئاته . واختار هذه القراءة أبو عبيد . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو سيئة على أنها واحدة السيئات ، وانتصابها على خبرية كان ، ويكون مكروها صفة لسيئة على المعنى ، فإنها بمعنى سيئا ، أو هو بدل من سيئة ، وقيل هو خبر ثان لكان حملا على لفظ كل ورجح أبو علي الفارسي البدل ، وقد قيل في توجيهه بغير هذا مما فيه تعسف لا يخفى . قال الزجاج : والإضافة أحسن ، لأن ما تقدم من الآيات فيها سيئ وحسن ، فسيئه المكروه ويقوى ذلك التذكير في المكروه ، قال : ومن قرأ بالتنوين جعل " كل ذلك " إحاطة بالمنهي عنه دون الحسن . المعنى : كل ما نهى الله عنه كان سيئة وكان مكروها ، قال : والمكروه على هذه القراءة بدل من السيئة وليس بنعت ، والمراد بالمكروه عند الله هو الذي يبغضه ولا يرضاه ، لا أنه غير مراد مطلقا ، لقيام الأدلة القاطعة على أن الأشياء واقعة بإرادته سبحانه . وذكر مطلق الكراهة مع أن في الأشياء المتقدمة ما هو من الكبائر إشعارا بأن مجرد الكراهة عنده تعالى يوجب انزجار السامع واجتنابه لذلك . والحاصل أن في الخصال المتقدمة ما هو حسن وهو المأمور به . وما هو مكروه وهو المنهى عنه . فعلى قراءة الإضافة تكون الإشارة بقوله ( كل ذلك ) إلى جميع الخصال حسنها ومكروهها ، ثم الإخبار بأن ما هو سيئ من هذه الأشياء وهو المنهي عنه مكروه عند الله ، وعلى قراءة الإفراد من دون إضافة تكون الإشارة إلى المنهيات ، ثم الإخبار عن هذه المنهيات بأنها سيئة مكروهة عند الله ( ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ) الإشارة